محمد بن الطيب الباقلاني
218
إعجاز القرآن
وأما قول أبى نواس ، " إذا عب فيها " ، فكلمة قد قصد فيها المتانة ، وكان سبيله أن يختار سواها من ألفاظ الشرب ( 1 ) ، ولو فعل ذلك كان أملح . وقوله : " شارب القوم " ، فيه ضرب من التكلف الذي لا بد له منه أو من مثله ، لإقامة الوزن . ثم قوله : " خلته يقبل في داج من الليل كوكبا " ، تشبيه بحالة واحدة من أحواله ، وهي أن يشرب حيث لا ضوء هناك ، وإنما يتناوله ليلا ، فليس بتشبيه مستوفى ، على ما فيه من الوقوع والملاحة [ والصنعة ] ( 2 ) . وقد قال ابن الرومي ما هو أوقع منه وأملح وأبدع : ومهفهف تمت محاسنه * حتى تجاوز منية النفس ( 3 ) تصبو الكؤوس إلى مراشفه * وتحن في يده إلى الحبس أبصرته والكأس بين فم * منه وبين أنامل خمس وكأنها وكأن شاربها * قمر يقبل عارض الشمس ( 4 ) / ولا شك في أن تشبيه ابن الرومي أحسن وأعجب ( 5 ) ، إلا أنه [ لم ] يتمكن من إيراده [ إلا ] في ( 6 ) بيتين ، وهما - مع سبقهما إلى المعنى - أتيا به في بيت واحد . * * * وإنما أردت بهذا أن أعرفك أن هذه أمور متقاربة ( 7 ) ، يقع فيها التنافس والتعارض ، والأطماع تتعلق ( 8 ) بها ، والهمم تسمو إليها ، وهي إلف طباعنا ، وطوع مداركنا ، ومجانس ( 9 ) لكلامنا . وإعجاب قوم بنحو هذا وما يجرى مجراه ، وإيثار أقوام لشعر البحتري
--> ( 1 ) س : " الشراب " ( 2 ) الزيادة من م ( 3 ) ديوانه ص 244 والعمدة 2 / 173 ( 4 ) م : " فكأنها " ( 5 ) وفى العمدة 2 / 173 : " وقد أربى ابن الرومي عليهما جميعا بقوله : أبصرته . . . وكأنها . . . ولكن بيت أبى نواس أملا للفم والسمع ، وأعظم هيبة في النفس والصدر ، ولذلك كان أسير " ( 6 ) س ، ك : " إلا أنه تمكن من إيراده في بيتين " ( 7 ) م : " هذه الأمور المتقاربة " ( 8 ) س : " معلقة " ( 9 ) م : " وهي إلف طباعها ، وطوع مداركها ، ومحاسن لكلامنا "